Navigation

الدكتور على القره داغي و الحسابات الفلكية

FCNA Brochure

بسم الله الرحمن الرحيم .

تقديم بقلم :
ا.د. علي محيي الدين القره داغي
أستاذ بجــامـعة قــطـــر ورئيس مجلس أمناء جامعة التنمية البشرية
والحـائــــز على جائزة الـدولـــة ، والخبـيــــر بالـــــمجامع الفقهـيــة
وعضــــو المجلـــــس الأوربـــــي للإفــــتاء والبــــــــــــــــــــحــوث

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ، وبعد
فإن من أهم مقاصد الشريعة للشعائر الدينية أن تكون وسيلة لتوحيد الأمة في شعائرها وتأليف قلوبهم عليها ، ووسيلة للتكافل ومظهراً من مظاهر التواد والتحابب ، ومفتاحاً للقلوب ، ودليلاً على يسر الإسلام ، ورحمته وروعته وجماله ، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن العيد حينما أنكر أبوبكر رضي الله عنه على الجاريتين اللتين تغنيان وتضربان بالدف في العيد : ( دعهما يا أبابكر ، فإنها أيام عيد ) رواه البخاري ومسلم وغيرهما .
وقال صلى الله عليه وسلم في مناسبة لعب الحبشة في مسجده يوم العيد ، وعائشة تنظر إلى لعبهم : ( لتعلم يهود أن في ديننا فسحة ، إني أُرسلتُ بحنيفية سمحة ) رواه أحمد وغيره .
وقصدي من هذين الحديثين بيان مقاصد الشريعة من الأعياد والشعائر ، وأنها اليوم أصبحت محل حيرة وريبة وإثارة كلما حانت أوقات الأعياد وصيام رمضان ، حيث يصل الأمر في بلد واحد وبخاصة في أوروبا وأمريكا أن أعياد المسلمين تختلف خلال ثلاثة أيام أو أكثر ، فتجدهم ـ مثلاً ـ أن بعضهم يجعلون يوم السبت عيد الفطر اعتماداً على رؤية إحدى الدول الخليجية للهلال ، والآخرون صائمون ، والبعض الثاني يجعلون يوم الأحد عيداً اعتماداً على بعض الدول المغربية ، والبعض الثالث يصومون يومي السبت والأحد ، ويجعلون يوم الاثنين عيداً اعتماداً على بعض الدول الآسيوية ( إيران وباكستان ) ، وحدث أن بعضاً رابعاً صاموا الأيام الثلاثة ، وجعلوا يوم الثلاثاء عيداً .
وهذا الاختلاف الغريب بهذا الشكل العجيب لم يشهد التأريخ الإسلامي مثله في عصر الصحابة والتابعين ، أو في عصور الخلافة الأموية ، أو العباسية ، لأنه لم تكن هناك وسائل الاتصال الحديثة ، فأهل كل بلد يعتمدون على ما رآه وليّ الأمر في ذلك البلد ، أما وجود ثلاثة أعياد ، أو أربعة فتلك بدعة خطيرة مستهجنة لم نَرَ لها مثيلاً في حضارتنا الإسلامية ، وحتى الفقهاء السابقون الذين لم يقولوا باعتماد الحسابات الفلكية كانوا متفقين على أن أهل كل بلد يعتمدون على رؤية بلدهم ، فيصبح اليوم المحدد يوم صيام ، أو يوم عيد لهم جميعاً ، بل إن جماعة منهم اعتمدوا على توحيد المطالع ، وبالتالي لو سمع أهل أي بلد برؤية بلد آخر فإنهم يعتمدون على هذه الرؤية فيصومون إن كانت الرؤية للصيام ، ويعيّدون إن كان الرؤية للعيد ، وهكذا ، أما أن يتمزقوا إلى ثلاث فرق ، فهذا لم نسمع به ، ولم نقرأه ، ولم نطلع عليه في كتب الفقه المعتمدة

والغريب أن مجمع الفقه الاسلامي الدولي قد أقر اتخاد المطالع في دورة مؤتمره الثالث في 8-13صفر1407هـ الموافق 11-16 أكتوبر1986م وقرر ما يلي

(أولاً: إذا ثبتت الرؤية في بلد وجب على المسلمين الالتزام بها ولا عبرة لاختلاف المطالع، لعموم الخطاب بالأمر بالصوم والإفطار.
ثانياً: يجب الاعتماد على الرؤية، ويستعان بالحساب الفلكي والمراصد، مراعاة للأحاديث النبوية، والحقائق العلمية ، والله أعلم ) مجلة المجمع ، العدد3 (2/811) .
ومع أن هذا القرار قد اعتمده علماء الأمة ، ولكن لم يلتزم به معظم المسلمين ، بل اتخذت كل دولة سبيلاً لنفسها في إثبات الرؤية ، وقد تتدخل فيها العلاقات السياسية فتؤثر في مدى القبول برؤية الهلال في تلك الدولة ، وأما الأقلية الاسلامية فقد تفرقت أشد التفرق في عباداتها وأعيادها التي شرعت للتوحيد والتآلف ، والتيسير ، والفسحة .
بل أدى هذا التفرق بين الأقليات الإسلامية حول أعيادها وشعائرها الدينية محل سخرية ، وفتنة لغير المسلمين ، ومبرراً لعدم الاعتراف بهم ، وبأعيادهم ، حتى قال المسؤولون في أوروبا صراحة : اتفقوا على مرجعية واحدة ، وعلى اعتبار يوم واحد عيداً لكم نعترف بكم ، وبأعيادكم ،،، أما أنكم مختلفون فبأي جماعة منكم نعترف ؟ وأي يوم للعيد نعتمد ؟ .
وأمام هذه المشكلة يجب على أهل العلم والفكر والدعوة السعي الحثيث للوصول إلى آلية فعالة لتوحيد المسلمين بصورة عامة ، والأقلية الإسلامية بصورة خاصة على أن تكون بداية صيامهم ، وأعيادهم واحدة وليست متعددة أو مضطربة .
ومن هذا المنطلق بذل الأخ الكريم الباحث الدكتور ذوالفقار علي شاه ، المدير التنفيذي للمجلس الفقهي لأمريكا الشمالية ، ورئيس رابطة علماء الشريعة بأمريكا الشمالية ، جهداً كبيراً في هذا المجال ، وتوصل إلى مجموعة من الحقائق من أهمها : أنه لا يوجد نص صريح من نصوص الكتاب والسنة يدل دلالة صريحة وواضحة على رفض الحسابات الفلكية بحالتها العلمية الفنية الدقيقة البعيدة عن حسابات التنجيم ، بل يفهم منها القبول بشروطه ، ولذلك لا يوجد إجماع بين الفقهاء على رفض الحسابات الفلكية ، وان قبول الحسابات الفكلية يسير في فلك النصوص الشرعية ولا ينفصل عن روح الشريعة الإسلامية بحال من الأحوال ، وأنه إذا تم تطبيقها تمّت به وحدة المسلمين ..
ونحن نرى أهمية هذه الدراسة ، حيث وفق صاحبها في بحث الموضوع بحثاً جيداً مقارناً بين آراء القدماء والمعاصرين ، معتمداً على تحليل النصوص وسياقها ولحاقها ، صاغها بأسلوب سلس مطبوع ، واضح الدلالة ، مع غزارة المادة وسعة الاطلاع وشرف الغاية ، ونيل المقصد حتى جمع فأوعى ، وناقش وردّ وحلّل فأوفى .
وإنني إذ أقدم هذه الدراسة للباحثين الكرام ، والراغبين في الوصول إلى الحق ، والحريصين على وحدة الأمة ، وجمع شملها أعرب عن رأيي الشخصي الذي توصلت إليه منذ فترة طويلة والذي سبقني به الكثيرون من المعاصرين وبعض القدماء هو أنه لا بدّ من الجمع بين الاستفادة من علوم العصر مع تطبيق النصوص ، وهذا الرأي يتكون من الاعتماد الكلي على حسابات الفلك في نفي الرؤية ، بحيث لا ينبغي فتح المجال للشهادة ما دام القمر لا يمكن أن يرى فلكياً ، ثم بعد ذلك الاعتماد على الرؤية سواء كانت بمجرد البصر ، أو بالوسائل الحديثة من المراصد ونحوها ، بل إن رؤية الهلال عن طريق المراصد الفلكية هي من رؤية العين ولا تخرج عنها بأي حال من الأحوال .
وفي الختام أملي الكبير في هذه الدراسة الجادة أن تكون لبنة قوية لبناء رأي فقهي واحد حول هذه المسألة الشائكة ، وأن يهتم بها الجميع للوصول إلى توحيد بدايات شعائرنا وأعيادنا للخروج من هذه المشكلة التي تتجدد في كل عام أكثر من مرة .
والله أسأل أن يبارك في جهود أخي الدكتور ذوالفقار علي شاه ، ويوفقه ، وإيانا للمزيد من خدمة الأمة الإسلامية ، ويوفقنا جميعاً للنهوض بأمتنا المجيدة .
كتبه الفقير إلى ربه
أ.د. علي محيى الدين القره داغي
الدوحة 16جمادى الآخرة1430هـ الموافق 09 يونيو 2009م