Navigation

عيد الأضحي و علاقته بالحج

عيد الأضحي و علاقته بالحج
د- ذوالفقار علي شاه

إن موضوع الارتباط و العلاقة بين عيد الأضحى و بين شعيرة الحج في مكة المكرمة هو موضوع جدلي, فالجدل فيه قائم بين المسلمين في العالم. فبعضهم يناقش الموضوع بشكل عاطفي و يرى أن عيد الأضحى في كل العالم يجب أن يكون في اليوم الذي يلي يوم الوقوف في عرفة. أما البعض اللآخر فيقول أن عيد الأضحى ليس مرتبطاً بيوم عرفة أو بشعائر الحج, إنما هو شعيرة إسلامية منفصلة و مستقلة بذاتها, و يجب أن تحدد تبعاً للرؤية المحلية للهلال

.

و فيما يلي نتعرف على حجة أصحاب كل رأي من الجماعتين.

إن العلماء المعاصرين اللذين يفصلون بين عيد الأضحى و فريضة الحج و يربطون بينه و بين الرؤية المحلية يرون أن كلا العيدين قد قررا من قبل النبي ( ص ) عندما رأى أحوال أهل المدينة و عاداتهم في الاحتفال بعيدين محليين سنويين, فأبدل النبي ( ص ) ذاكين العيدين بعيدي الفطر و الأضحى. كما جاء في الحديث الشريف:

حدثنا أبو عبد الرحمان قال: أنبأنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: أخبرنا إسْمَاعِيلُ قَالَ: أخبرنا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسِ ،: قَالَ: «(كَانَ لأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَانِ من كُلِّ سَنَةٍ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ الْمَدِينَةَ قَالَ كَانَ لَكُمْ يَوْمانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا وَقَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرا مِنْهُمَا يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النحر)» .

و هناك بعض الروايات تقول أن الرسول ( ص ) كان قد أدى صلاة العيد لأول مرة في المدينة و ذلك في السنة الأولى للهجرة.
وكانت صلاة عيد الفطر في السنة الأولى من الهجرة كما رواه أبو داود مسنداً إلى أنس رضي الله عنه قال: قدم رسول الله المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال رسول الله : إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر

و يقول أبو بكر الجزائري أنها شرعت في السنة الأولى للهجرة.

شرعت في السنة الأولى من الهجرة، كما رواه أبو داود عن أنس، قال: قدم رسول الله المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول لله: «إن الله قد أبدلكما خيراً منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر».

على أن الرواية الأكثر صحة و الأكثر قبولاً هي أن صلاة العيد الأولى أديت في السنة الثانية للهجرة, كما يقول الإمام النووي و إبن حجر و عدد كبير من العلماء. حيث يوضح الإمام إبن حجر العسقلاني ذلك قائلاً:

وفرض عليه الصوم بعد سنتين هذا تبع فيه القاضي أبا الطيب وصاحب الشامل وجزم في زوائد الروضة أنه فرض في السنة الثانية وفرضت زكاة الفطر معه قبل العيد بيومين وبه جزم الماوردي وزاد انه صلى فيها العيدين الفطر والأضحى وهذا أخرجه بن سعد عن شيخه الواقدي من حديث عائشة وابن عمر وأبي سعيد قالوا نزل فرض رمضان بعد ما صرفت القبلة إلى الكعبة بشهر في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر في هذه السنة بزكاة الفطر وذلك قبل أن تفرض الزكاة في الأموال وصلى يوم الفطر بالمصلى قبل الخطبة وصلى العيد يوم الأضحى وأمر بالأضحية

كما أن مؤلف كتاب مرقاة المفاتيح الملا على قاري يقول أن أول صلاة أداها النبي ( ص ) كانت صلاة عيد الفطر.

ويؤيده ما ذكره ابن حبان وغيره أن أوّل عيدٍ صلاه النبي عيد الفطر ، في السنة الثانية من الهجرة وهي التي فرض رمضان في شعبانها ، ثم داوم إلى أن توفاه الله تعالى ] .

و سليمان الجمل كالعديد من العلماء الآخرين ذهب إلى أن عيد الأضحى قد فرض في السنة الثانية للهجرة .

وَسُمِّيَتْ بِأَوَّلِ زَمَانِ فِعْلِهَا وَهُوَ الضُّحَى, وَأَوَّلُ طَلَبِهَا كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ كَالْعِيدَيْنِ وَزَكَاةِ الْمَالِ وَالْفِطْرِ

لكن من الناحية الأخرى نعلم أن الحج كان قد فرض في السنة السادسة للهجرة, حتى أن بعض العلماء يذهبون إلى أن الحج فرض حتى بعد ذلك, في السنة الثامنة أو التاسعة للهجرة. يروي الإمام بدر الدين العيني ذلك:
لأن وجوب صوم رمضان نزل في السنة الثانية من الهجرة ، وفريضة الحج في سنة ست، وقيل: تسع،

و يقول الإمام النووي:
لأن فرض صوم رمضان نزل في السنة الثانية من الهجرة ، ونزلت فريضة الحج سنة ست، وقيل: سنة تسع

إن إختلاف التوقيتات لهاتين الشعيرتين المهمتين بالنسبة لهذه الفئة من العلماء تفسر أن هاتين المناسبتين ليستا مرتبطتين بحال من الأحوال, بل هما كيانان منفصلان. هذا أولاً, أما ثانياً فنرى أن الرسول ( ص ) ربط عيد الفطر بتمام شهر رمضان, فهو أول يوم من أيام شهر شوال, بينما نرى أن عيد الأضحى مرتبط بالعاشر من ذي الحجة. كما أنه لا يوجد أي رواية أن النبي ( ص ) تحرى يوم الحج أو يوم عرفه لإثبات عيد الأضحى على إعتبار الارتباط بينهما و ذلك طوال وجوده ( ص ) في المدينة. بل أنه روي عن النبي ( ص ) أنه كان يضحي بشكل سنوي منتظم خلال العشر سنوات التي عاشها في المدينة كما يروي الترمذي
حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ و هَنَّادٌ ، قالا حدثنا ابنُ أبي زائدةَ عن حجَّاجِ بنِ أرطأةَ عن نافِعٍ عن ابن عمرَ ، قال: «أقامَ رسولُ الله بالمدينةِ عَشْرَ سِنِينَ يُضَحِّي» . قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ.

يقو ل أبو العلا المباركفوري:
قوله: (هذا حديث حسن في إسناده حجاج بن أرطأة وهو كثير الخطأ والتدليس) ، قوله: (هذا حديث حسن) ذكر الحافظ هذا الحديث وتحسين الترمذي في الفتح، وسكت عنه لكن في سنده الحجاج، والظاهر أنه ابن أرطأة وهو مدلس،

إنها حقيقة مقررة كما رأينا, أن النبي ( ص ) كان يحتفل سنوياً بعيد الأضحى مع الصحابة و كانوا يذبحون الأضاحي دون أن يرسل النبي ( ص ) أياً من الصحابة إلى مكة للتأكد من توقيت يوم عرفة على أساس ارتباط العيد به. فإنه لم يكن من الصعب معرفة اليوم الذي رأي فيه المكيون هلال ذي الحجة, ثم يحسب النبي ( ص ) يوم عرفة بناءً على ذلك, حيث أن العشرة أيام الفاصلة بين رؤية هلال ذي الحجة و بين يوم العيد هو وقت كاف لانتقال الخبر من مكة إلى المدينة. بناءً على هذه الحقائق اعتمد هؤلاء العلماء في الفصل بين تحديد أول أيام عيد الأضحى و بين يوم عرفة, فهم يرون أن عيد الأضحى ليس مرتبطاً بيوم عرفة بشكل مباشر. بل هو مرتبط مباشرة بالعاشر من ذي الحجة.

وقد اتفق علماء الأمة أن يوم النحر هو العاشر من ذي الحجة.
يوم النحر عاشر ذي الحجة

في الحقيقة أن يوم عرفة هو بالضبط التاسع من ذي الحجة كما قاله الفقهاء:
يوم (عرفة) وهو تاسع ذي الحجة
على أن الأحاديث الصحيحة تربط بين تقديم الأضحية و بين شهر ذي الحجة. فعلى سبيل المثال:
وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ . حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ الْعَنْبَرِيُّ . أَبُو غَسَّانَ . حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ «إِذَا رَأَيْتُمْ هِلاَلَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ».

وحدّثني عُبَيْدُ اللّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ . حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو اللَّيْثِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ ، زَوْجَ النَّبِيِّ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ «مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ، فَإِذَا أُهِلَّ هِلاَلُ ذِي الْحِجَّةِ، فَلاَ يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلاَ مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئاً، حَتَّىٰ يُضَحِّيَ».

كما أنه ( ص ) وضع قواعد عيد الأضحى دون إرجاعها إلى طقوس الحج أو يوم عرفة كما سنرى في الحديث التالي:

«أَوَّلُ مَا تَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا نُصَلِّي ثُمَّ نَرْجِعُ فَتَنْحَر، مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لاِءَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ»

حدّثنا قُتيبةُ حدَّثنا أبو عَوانَةَ عن الأسْوَد بن قَيس عن جُندَب بن سفيَانَ البَجَليِّ قال: «ضحّينا مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أُضحاةً ذاتَ يومٍ، فإذا أُناسٌ قد ذبحوا ضَحاياهم قبل الصلاة، فلما انصَرَفَ رَآهُمُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنهم قد ذبحوا قبل الصلاة فقال: من ذبح قبلَ الصلاة فلْيَذبحْ مَكانها أُخرَى، ومن كان لم يذبحْ حتى صلَّينا فَلْيَذْبح على اسم الله».

حدّثنا مسدَّدٌ حدَّثنا إسماعيلُ عن أيوبَ عن محمدٍ عن أنسِ بن مالكٍ رضي اللهُ عنه قال: «قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: من ذَبحَ قبلَ الصلاة فإنما ذَبحَ لنفسِه ، ومن ذَبحَ بعد الصلاة فقد تمَّ نُسكهُ وأصاب سُنَّةَ المسلمين».

ثالثاً: حتى بعد أن فرض الحج, بقي الوضع على ما هو عليه بالنسبة لعيد الأضحى. حيث أنه لا يوجد أي حديث أو أي واقعة تدل أن رسول الله ( ص ) كان يتحرى معرفة يوم عرفة, كما أنه لا يوجد أي دلالة على تلازم عيد الأضحى بنسك الحج أو بالعاشر من ذي الحجة بحسب مكة. فلو كان هذا الارتباط بينهما من الأهمية بمكان لما أهمل الرسول ( ص ) تحري يوم عرفة في مكة. بل على العكس من ذلك فإنه ( ص ) كان يذهب مع الرؤية المحلية لهلال ذي الحجة في تحديد صوم التاسع من ذي الحجة على أنه يوم عرفة و من ثم الاحتفال باليوم التالي و هو العاشر على أنه أول أيام عيد الأضحى.
رابعاً: إن الأمة الإسلامية و على مدى أربعة عشر قرناً كانت تتبع التقليد نفسه, و التاريخ يرينا أنه لا يوجد أي خليفة أو عالم كان قد حاول تحري يوم عرفة في مكة أو حاول ربط عيد الأضحى به.

في الواقع أن القيام بهذا العمل سيكون عبء على الأمة و سيشكل صعوبةً بالغةً في تعيين أول أيام عيد الأضحى المبارك. و على مايبدو فإن هذا السبب هو الذي جعل علماء السلف من الأمة لا يلقون بالاً لهذا الأمر, و يربطون عيد الأضحى بالرؤية المحلية لهلال ذي الحجة بدلاً من انتظار خبر مكة. و كثير من المؤرخين يروون لنا أن بداية عيد الأضحى كانت غير موحدة بين مختلف الأمصار الإسلامية, و كانت مختلفة أيضاً عن الحج في مكة. فعلى سبيل المثال ابن حجر العسقلاني يقول:
شهر ذي الحجة استهل بيوم الخميس بعد أن تراءى الناس الهلال ليلة الأربعاء على العادة بعدة أما كن من الجوامع وغيرها فلم يخبر أحد برؤيته إلا شذوذا، يقول الواحد منهم: إنه رأى، فإذا حوقق أنكر، فبحث عن السبب في ذلك فاعتذروا بأنه شاع بينهم أن السلطان إذا اتفق يوم - العيد يوم الجمعة يلزم أن يخطب له مرتين وقد جرب أن ذلك إذا وقع يكون فيه خوف على السلطان، فبلغ السلطان ذلك بعد أيام فأنكره وأظهر الحنق على من ينسب إليه ذلك، فقيل له فإن أحمد بن نوروز، وهو أحد من يلوذ به من خواصه المعروف بشاد الغنم - ذكر أنه رآه ولم يخبر القاضي بذلك، فاستدعاه فاعترف أنه رآه ليلة الأربعاء ومعه جماعة، فأرسله مع المحتسب إلى القاضي الشافعي فأدى عنده شهادته، فلما شاع ذلك نودي في البلد من رأى هلال ذي الحجة ليلة الأربعاء فليؤد شهادته بذلك عند القاضي الشافعي، فسارع غالب من كان شاع عنه دعواه الرؤية في تلك الليلة إلى الشهادة بذلك، فلما استوفيت شروط ذلك نودي بأن العيد يوم الجمعة، فاعتمدوا على ذلك وصلوا العيد يوم الجمعة؛ فلما كان في يوم السبت الخامس والعشرين من ذي الحجة وصل المبشر بسلامة الحاج في آخر ذلك اليوم، وأخبر أن كل من حضر الموقف من الآفاق لم ينقل عن أحد منهم أنه رأى الهلال ليلة الأربعاء بل استوفوا العدة واستهلوا ذا الحجة بيوم الخميس ووقفوا بعرفات يوم الجمعة -، واستمر الأمر بينهم على ذلك وأنه فارقهم آخر النهار يوم السبت، فقطع المسافة في أربعة عشر يوما، ووصف السنة بالأمن واليمن والرخاء مع كثرة الخلائق - ولله الحمد على ذلك.

خامساً: إن أداء أي عبادة مرتبط بأوقات معينة, فعلى سبيل المثال: يوم عرفة يجب أن يكون في التاسع من ذي الحجة, و تقديم الأضحية يجب أن يكون في العاشر من ذات الشهر, أو في أي يوم من أيام التشريق. و لا يجوز لأحد أن يقف على عرفة قبل أو بعد التاسع من ذي الحجة , كما أنه لا تجوز الأضحية قبل العاشر أو بعد الثالث عشر منه. على أن هناك استثناءات عند الاشتباه غير المقصود . يقول الفقيه الحنفي أبو بكر الكاساني:
فلا يجوز الوقوف بعرفة قبل يوم عرفة ولا طواف الزيارة قبل يوم النحر ولا أداء شيء من أفعال الحج قبل وقته، لأن الحج عبادة مؤقتة قال الله تعالى: {الحَجُّ أشهرُ معلوماتٍ} والعبادات المؤقتة لا يجوز أداؤها قبل أوقاتها كالصلاة والصوم، وكذا إذا فات الوقوف بعرفة عن وقته الذي ذكرناه فيما تقدم لا يجوز الوقوف في يوم آخر ويفوت الحج في تلك السنة إلا لضرورة الاشتباه استحساناً بأن اشتبه عليهم هلال ذي الحجة فوقفوا ثم تبين إنهم وقفوا يوم النحر على ما ذكرنا فيما تقدم.

سادساً: حدد علماء الفقه بوضوح الخط الفاصل بين الشعائر المطلوبة من الحجاج و الشعائر المطلوبة من غير الحجاج أو من المقيميين. فمثلاً: مولانا عبد الله سليم يقول: إن صلاة العيد واجبة على كل المسلمين الذين هم في المدن, حيث أن فقهاء كل مدينة يقومون بتحديد أوقات صلاتي العيدين و صلاة الجمعة. أما الحجاج فلهم أحكام خاصة حيث أن صلاة العيد ليست عليهم بواجب حال وجودهم في منى في العاشر من ذي الحجة على الرغم من أن منى جزء من مكة و تدخل في حدودها.

ويضيف مولانا سليم بأن الأضحية واجبة على أولئك الذين يملكون الحد الأدني للنصاب ( أصحاب النصاب ). بينما الأضحية ليست واجبة على الحجاج في منى كما يقول معظم الفقهاء. أما الأضحية التي يقدمها بعض الحجاج فهي ليست لكونهم ( أصحاب نصاب ) بل لمقارنة الحج بالعمرة في حج التمتع أو القران. أما إذا كانت العمرة غير مرتبطة بالحج ففي هذه الحال لا تجب الأضحية على الحاج. والمدرسة المالكية ترى أن الذي يضحي يجب ألا يكون حاجاً حتى و لو كان من أهل مكة.
و قد أعطى مولانا عبد الله سليم مثالاً آخر على كيفية الاختلاف بين طقوس الحجاج و طقوس عيد الأضحى المبارك قائلا: ( إن الحاج المتمتع أو المقارن يستطيع أن يصوم عشرة أيام بدلاً من الأضحية إذا كان وضعه المادي لا يسمح بها, وقد ورد ذلك في القرآن الكريم (2:196 ). بينما إذا كان المقيم غير قادر على تقديم الأضحية فلا يستوجب ذلك منه الصيام أو القيام بأي كفارة. مما يجعل الأضحية المطلوبة من الحاج هي غير الأضحية المطلوبة في عيد الأضحى. كما أنه يشرح أن المكان مهم بالنسبة للحج بينما هو على غير ذلك بالنسبة لعيد الأضحى, ( ذبيحة عيد الأضحى ممكن أن تقدم في أي مكان, في حال أن ذبيحة المتمتع و المقارن لا تقدم إلا في حدود الحرم المكي.)

و ختم سليم بقوله: ( الحج و عيد الأضحى بالِإضاقة إلى أضاحيهما هما عبادتان منفصلتان. و إحداهما لست جزءً من الأخرى و لا مرتبطة بها )

القول النهائي عند هذه الفئة من العلماء أن الحج و عيد الأضحى هما حدثان شرعيان منفصلان انفصالاً تاماً, و أن أي محاولة للربط بينهما يمكن أن يكون انتهاكاً لسنة النبي ( ص ), و لإجماع الأمة, و للحقائق الجغرافية و التاريخية بحسب قول المفتي تقي عثماني: ( إنه – أي القول بارتباط عيد الاضحى بالحج أو بالوقوف في عرفة - معارضة تامة لتعاليم القرآن و السنة و للشريعة المقروءة خلال قرون. و هذا الرأي لم يسبق له مثيل و لم يسبق لأحد من علماء الأمة أن تبناه خلال الأربعة عشر قرناً الماضية, كما أنه يحوي على عدد من العيوب الجوهرية و فيه شذوذ).

هذه الفرقة من العلماء يرون أن المسلمين في مختلف بقاع الأرض يجب أن يتحروا الرؤية المحلية لهلال شهر ذي الحجة تماماً كما يفعلون في تحديد عيد الفطر, و عليه يستطيعون تعيين العاشر من ذي الحجة كأول أيام عيد الأضحى المبارك.

مناقشة حول هذا الرأي

مفهوم العيد أو الاحتفال السنوي كان موجودا في المجتمع العربي حتى قبل الإسلام. و قد استخدم القرآن الكريم تلك الكلمة واصفا إحدى حالات الحواريين مع سيدنا عيسى عليه السلام:

قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِين." (المائدة:114)

كلمة عيد تعني أن هناك حادثاُ سعيداً يتكرر كل عام. يقو ل جلال الدين إبن منظور:
"والعِيدُ كلُّ يوم فيه جَمْعٌ واشتقاقه من عاد يَعُود كأَنهم عادوا إِليه وقيل اشتقاقه من العادة لأَنهم اعتادوه والجمع أَعياد."
و يقول الزرقاني:
عيد الفطر وعيد الأضحى مشتق من العود لتكرره كل عام، أو لعود السرور بعوده، أو لكثرة عوائد الله على عباده فيه، وجمعه أعياد

كما أن الحج منسك قديم. يقول الله سبحانه في سورة الحج:

وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)

كما أنه من المعروف أن العديد من مناسك الحج مرتبطا ارتباطا وثيقا بسيدنا ابراهيم و السيدة هاجر عليهما السلام, فمن الطواف الى السعي الى الوقوف في عرفة ثم الاضحية. و لقد كان مشركو مكة يتمتعون بقدر من الشرف والرفعة والمكانة الخاصة في كل الجزيرة العربية لأنهم كانوا حراس الكعبة و القائمين على تنظيم مناسك الحج.

لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)

و القران لم يلغ كل طقوس الحج التي كان معمولا بها عند المشركين, بل على العكس من ذلك, فإن القران حافظ على العديد منها مع شئ من التعديل لتناسب الروح و الفلسفة الاسلامية الكامنة وراء الحج. فمثلا قال أبو عبدالله القرطبي أن المشركين كانوا يغادرون منى الى عرفة بعد شروق الشمس بينما كان النبي ( ص ) يغادرالى عرفة قبل شروقها, كما كان المشركون يرحلون عن عرفة قبل غروب الشمس بينما النبي ( ص ) كان يرحل عنها بعد غروب الشمس, وكانوا يرحلون عن مزدلفة بعد شروق الشمس و النبي ( ص ) كان يرحل عنها قبل شروق الشمس.

وروى البخاري عن عمرو بن ميمون قال: شهدت عمر صلّى بجَمْع الصبحَ ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون: أشْرِق ثَبِير؛ وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم خالفهم فدفع قبل أن تطلع الشمس. وروى ابن عُيينة عن ابن جُريج عن محمد بن قيس بن مَخْرَمة عن ٱبن طاوس عن أبيه أن أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس، وكانوا يدفعون من المزدلفة بعد طلوع الشمس؛ فأخّر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا وعجّل هذا، أخّر الدفع من عرفة، وعجّل الدفع من المزدلفة مخالفاً هَدْي المشركين.

الآية التالية موجهة أيضا الى مشركي مكة.
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199

ابن جرير الطبري ذكر ان قريشا و حلفاءها لم يكونوا ينفرون من عرفة بل من المغمس. لكن الله سبحانه و تعالى امرهم من خلال الاية السابقة ان يبقوا في عرفة كبقية الناس ثم يرحلوا من هناك الى مزدلفة. يقول الطبري:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ثمَّ أفِـيضُوا مِنْ حَيْثُ أفـاضَ النَّاسُ، قال قتادة: وكانت قريش وكل حلـيف لهم وبنـي أخت لهم لا يفـيضون من عرفـات، إنـما يفـيضون من الـمغَمَّس ويقولون: إنـما نـحن أهل الله، فلا نـخرج من حرمه. فأمرهم الله أن يفـيضوا من حيث أفـاض الناس من عرفـات، وأخبرهم أن سُنّة إبراهيـم وإسماعيـل هكذا: الإفـاضة من عرفـات.

هذه الاية ايضا موجهة الى مشركي مكة كما يقول القرطبي و اخرون:

فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200)

يقول القرطبي:
والمراد المشركون. قال أبو وائل والسدّي وٱبن زيد: كانت العرب في الجاهلية تدعوا في مصالح الدنيا فقط، فكانوا يسألون الإبل والغنم والظفر بالعدوّ، ولا يطلبون الآخرة، إذ كانوا لا يعرفونها ولا يؤمنون بها، فنُهوا عن ذلك الدعاء المخصوص بأمر الدنيا، وجاء النهي في صيغة الخبر عنهم

انه من المعروف عند علماء المسلمين ان المشركين كانوا يذهبون الى منى في الثامن من ذي الحجة وكانوا يسمونه يوم التروية. و كانوا يقفون على عرفة في اليوم التاسع و كانوا يضحون في العاشر من ذي الحجة. كما انه من المعروف انهم كانوا يغيرون موعد شهر ذي الحجة حتى يغيروا موعد الشهر الحرام و ذلك بسبب حروبهم, و ذكر الله تعالى ذلك في سورة التوبة بقوله:
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37)

وقال مجاهد: كان المشركون يحجّون في كل شهر عامين؛ فحجّوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرّم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور كلها حتى وافقت حجّة أبي بكر التي حجها قبل حجّة الوداع ذا القَعدة من السنة التاسعة. ثم حج النبيّ صلى الله عليه وسلم في العام المقبل حجة الوداع فوافقت ذا الحجة؛ فذلك قوله في خطبته: «إن الزمان قد ٱستدار» الحديث. أراد بذلك أن أشهر الحج رجعت إلى مواضعها، وعاد الحج إلى ذي الحِجة وبطل النسيء. وقول ثالث. قال إياس بن معاوية: كان المشركون يحسبُون السنة اثني عشر شهراً وخمسة عشر يوماً؛ فكان الحج يكون في رمضان وفي ذي القَعدة، وفي كل شهر من السنة بحكم استدارة الشهر بزيادة الخمسة عشر يوماً، فحج أبو بكر سنة تسع في ذي القَعدة بحكم الاستدارة، ولم يحج النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فلما كان في العام المقبل وافق الحج ذا الحجة في العشر، ووافق ذلك الأهِلة. وهذا القول أشبه بقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إن الزمان قد استدار». أي زمان الحج عاد إلى وقته الأصليّ الذي عينه الله يوم خلق السموات والأرض بأصل المشروعية التي سبق بها علمه، ونفذ بها حكمه.

و يقول الرازي:
إن القوم علموا أنهم لو رتبوا حسابهم على السنة القمرية ، فإنه يقع حجهم تارة في الصيف وتارة في الشتاء ، وكان يشق عليهم الأسفار ولم ينتفعوا بها في المرابحات والتجارات ، لأن سائر الناس من سائر البلاد ما كانوا يحضرون إلا في الأوقات اللائقة الموافقة ، فعلموا أن بناء الأمر على رعاية السنة القمرية يخل بمصالح الدنيا ، فتركوا ذلك واعتبروا السنة الشمسية ، ولما كانت السنة الشمسية زائدة على السنة القمرية بمقدار معين ، احتاجوا إلى الكبيسة وحصل لهم بسبب تلك الكبيسة أمران : أحدهما : أنهم كانوا يجعلون بعض السنين ثلاثة عشر شهراً بسبب اجتماع تلك الزيادات . والثاني : أنه كان ينتقل الحج من بعض الشهور القمرية إلى غيره ، فكان الحج يقع في بعض السنين في ذي الحجة وبعده في المحرم وبعده في صفر
كما يقول أيضا:
فلهذا السبب عاب الله عليهم وجعله سبباً لزيادة كفرهم ، وإنما كان ذلك سبباً لزيادة الكفر ، لأن الله تعالى أمرهم بإيقاع الحج في الأشهر الحرم ، ثم إنهم بسبب هذه الكبيسة أوقعوه في غير هذه الأشهر

و على العكس من ذلك, فقد قام برهان الدين الحقي صاحب كتاب ( نظم الدرر ) ببحث مفصل انتهى به الى ان الحج لم يكن في اي شهر غير شهر ذي الحجة على الاطلاق حتى قبل مجئ الاسلام. وقد اعطى الحقي تفسيرا منطقيا لتسمية شهر ذي الحجة بهذا الاسم:

والحاصل أنه لا شك في أن النسيء لم يكن قط إلا للمحرم لما تقدم, وان الحج لم يكن قط في جاهلية ولا إسلام إلا في شهر يسمى ذا الحجة لما قاله نقلة اللغة والحديث والأخبار, قال ابن الأثير في النهاية ونشوان اليمني في شمس العلوم والقزاز في ديوانه وابن مكتوم في ترتيب العباب والمحكم: ذو الحجة بالكسر: شهر الحج, زاد المحكم: سمي بذلك للحج, وقال القزاز؛ إن الفتح فيه أشهر, وفي النهاية: يوم التروية هو الثامن من ذي الحجة, سمى به لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء لما بعده, أي يستقون ويسقون؛ وقال المجد في القاموس: يوم عرفة التاسع من ذي الحجة, وفي كتاب اسواق العرب لأبي المنذر هشام بن محمد الكلبي رواية ابي سعيد السكري أن عكاظ كانت من اعظم اسواق العرب. فإذا أهل أهلها هلال ذي الحجة ساروا بأجمعهم إلى ذي المجاز وهي قريب من عكاظ, وعكاظ في أعلى نجد, فأقاموا بها حتى التروية, ووافاهم بمكة حجاج العرب ورؤوسهم ممن أراد الحج بمن لم يكن شهد تلك الأسواق. قال الأزرقي في تاريخ مكة: فإذا رأوا هلال ذي الحجة انصرفوا إلى ذي المجاز فأقاموا بها ثماني ليال أسواقهم قائمة, ثم يخرجون يوم التروية في ذي المجاز إلى عرفة فيتروون ذلك اليوم من الماء بذي المجاز, وإنما سمي يوم التروية لترويتهم الماء بذي المجاز, ينادي بعضهم بعضاً: ترووا من الماء, إنه لا ماء بعؤفة ولا بالمزدلالفة يومئذ, ثم ذكر أنه لا يحضر ذلك إلا التجار, قال: ومن لم يكن له تجارة فإنه يخرج من أهله متى أراد, ومن كان منن أهل مكة ممن لا يريد التجارة خرج من مكة يوم التروية.

انه أصبح من المعروف الان ان شهر ذي الحجة اخذ اسمه من وجود مناسك الحج فيه. و ان هذا الاسم يرجع في التاريخ الى ابعد من ولادة نبي الاسلام ( ص ), لذا نرى ان هذه الحقيقة التاريخية غير القابلة للانكار وهي ان أيام الحج و شهر الحج و معظم شعائره مثل الطواف حول الكعبة و الوقوف على عرفة و رمي الجمرات في المزدلفة و تقديم الاضحية وحتى التكبيرات و التسليمات, كل ذلك كان موجودا قبل النبي ( ص ) بوقت طويل. و مع ان العديد من هذه الطقوس و الشعائر كان معمولا بها عند المشركين كما اسلفنا الا انها كانت مختلفة تماما عما قام به سيدنا ابراهيم عليه السلام. الى ان جاء النبي محمد( ص ) و نقى هذه الافعال و اعاد اليها الروح الابراهيمية الحنيفية.

و هذا ربما يفسر الحقيقة بأن القران لم يعرف ولم يقم بشرح تفاصيل بعض شعائر الحج, وذلك لأنها كانت معروفة عند العرب وقت النبي ( ص ). فمثالا: لقد ذكر القران اشهر الحج ولكنه لم يسمها:
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197)

قال الإمام القرطبي:
لم يسمّ الله تعالى أشهر الحج في كتابه؛ لأنها كانت معلومة عندهم

و كذلك النبي صلي الله عليه وسلم لم يسم أشهر الحج لأنها كانت معروفة لدي الصحابة.

حدثنا الحسن بن المُثَنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج".
وعن ابن جريج، عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل: أيُهَلّ بالحج قبل أشهر الحج؟ فقال: لا.
يقول ابن عباس: "من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهره".

ولكن ابن عمر سمى أشهر الحج كما يروي إمام مالك في الموطأ:

و حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فِي شَوَّالٍ أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ فِي ذِي الْحِجَّةِ قَبْلَ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى يُدْرِكَهُ الْحَجُّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إِنْ حَجَّ وَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ."

كما إن النبي ( ص ) لم يشرح للصحابة وقت يوم عرفة أو وقت يوم النحر ( الأضحية ) أو حتى أوقات أيام التشريق أو التكبيرات, لم يقم النبي ( ص ) بشرح أي من تلك المناسك, ولم أستطع أن أجد أي حديث للنبي ( ص ) يربط فيه وقوف عرفة باليوم التاسع لذي الحجة أو يربط يوم النحر بالعاشر من ذي الحجة. حيث أن ذلك كان من الحقائق المعروفة عند الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. ولكن مفسروا القرآن وعلماء السلف فقد قاموا فيما بعد بشرح و تحديد تلك الأيام و ذلك بشرحهم ليوم عرفة و يوم النحر على أنهما يومي التاسع و العاشر من ذي الحجة على التوالي.

كما أننا نعلم على اليقين أن الرسول ( ص ) كان يقوم بأداء الحج و العمرة حتى قبل الوحي. و كان يؤدي الحج و العمرة بعد الوحي و قبل الهجرة إلى المدينة.
أورد الترمذي أن النبي ( ص ) قام بحجتين قبل هجرته إلى المدينة .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْكُوفِيُّ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّ ثَلَاثَ حِجَجٍ حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ وَحَجَّةً بَعْدَ مَا هَاجَرَ."

ومن ناحية أخرى فإن الفقيه المالكي محمد الخرشي أورد أن المروي قال أنه ( ص ) لم يترك الحج و هو بمكة قط. يقول الخرشي:

وَحَجَّ بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِ الْحَجُّ حَجَّتَيْنِ عَلَى مَا رُوِيَ, وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُ حَجَّ بِمَكَّةَ حَجَّةً وَاحِدَةً قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ فَرَدَّ عَلَيْهِ الشَّارِحُ وَقَالَ: الْمَرْوِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ وَهُوَ بِمَكَّةَ الْحَجَّ فَقَط."ْ

يقول صلاح الدين الصفدي:
قال الـحافظ عبدالغنـي روى همام بن يحيى عن قتادة قال: قلت لأنس بن مالك كم حجّ النبـي صلى الله عليه وسلم من حجّة قال: «حجّة واحدة واعتمر أربع عُمَر عمرةُ النبـي صلى الله عليه وسلم حيث صدّه الـمشركون عن البـيتِ والعمرةُ الثانـية حيث صالـحوه من العام الـمقبل وعمرته من الـجعرانة حيث قسم غنـيمة حنـين فـي ذي القعدة وعمرته مع حَجَّته» صحيح متفق علـيه، هذا بعد قدومه الـمدينةَ، وأما ما حجّ بمكة واعتمر فلـم يحفظ

و يذكر الحافظ ابن كثير أن النبي ( ص ) لابد أنه قام بعدة حجات عندما كان لا يزال في مكة قبل الهجرة.

قال البخاري: حدثنا عمرو بن خالد، ثنا زهير، ثنا أَبو إِسحاق، حدَّثنـي زيد بن أرقم أن النّبـيّ صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشر غزوة، وأنه حجّ بعدما هاجر حجّة واحدة قال أَبو إِسحاق وبـمكة أخرى وقد رواه مسلـم من حديث زهير، وأخرجاه من حديث شعبة. زاد البخاري وإسرائيـل ثلاثتهم عن أَبـي إِسحاق عمرو بن عبد اللّه السبـيعي عن زيد به، وهذا الذي قال أَبو إِسحاق من أنه علـيه السلام حجّ بـمكة حجّة أخرى، أي أراد أنه لـم يقع منه بـمكة إِلا حجة واحدة، كما هو ظاهر لفظه، فهو بعيد . فإنه علـيه السلام كان بعد الرسالة يحضر مواسم الـحجّ، ويدعو الناس إِلـى الله ويقول: «مَنْ رجل يؤوينـي حتـى أبلغ كلام ربـي، فإن قريشاً قد منعونـي أن أبلّغ كلام ربّـي عزّ وجلّ » حتـى قـيّض الله جماعة الأنصار يـلقونه لـيـلة العقبة أي عشية يوم النـحر عند جمرة العقبة ثلاث سنـين متتالـيات، حتـى إذا كانوا آخر سنة بـايعوه لـيـلة العقبة الثانـية، وهي ثالث اجتـماعه لهم به، ثم كانت بعدها الهجرة إِلـى الـمدينة ..."

بالإضافة إلى هذا فإننا قد نرى أن مفهوم شهر رمضان و العبادة فيه كان قيمة معروفة في الجاهلية, و كان الرسول (ص) هو بنفسه يتعبد أكثر ما يتعبد في غار حراء في شهر رمضان و لمدة طويلة قبل نزول الوحي.

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ اقْرَأْ قَالَ مَا أَنَا بِقَارِئٍ قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ }..."

و قد ذكر القرآن بوضوح أن الله أنزل القرآن على سيدنا محمد ( ص ) أول الأمر في غار حراء في رمضان.

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)

و قد قام صفي الرحمن المباركفوري بحساب التأريخ والأيام التي نزل فيها الوحي لأول مرة, و بعد حساب دقيق حدد المباركفوري بأنه كان اليوم الواحد و العشرون من شهر رمضان الموافق للعاشر من شهر أغسطس من العام 610 قبل الميلاد. يقول المباركفوري:

وبعد النظر والتأمل في القرائن والدلائل يمكن لنا أن نحدد ذلك اليوم بأنه كان يوم الاثنين لإحدى وعشرين مضت من شهر رمضان ليلا ، وقد وافق 10 أغسطس سنة 610 م، وكان عمره صلى الله عليه وسلم إذ ذاك بالضبط أربعين سنة قمرية، وستة أشهر، و12 يومًا، وذلك نحو 39 سنة شمسية وثلاثة أشهر وعشرين يومًا‏."‏

كما أورد كتاب السيرة بالتحديد أن النبي ( ص ) كان يتعبد كل عام في غار حراء في شهر رمضان.
أن هذه الأقوال والروايات تفيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجاور بحراء شهرًا واحدًا، وهو شهر رمضان من كل سنة، وذلك من ثلاث سنوات قبل النبوة،وأن سنة النبوة كانت هي آخر تلك السنوات الثلاث، وأنه كان يتم جواره بتمام شهر رمضان، فكان ينزل بعده من حراء صباحًا ـ أي لأول يوم من شهر شوال ـ ويعود إلى البيت‏."

و حصل أنه قد حدث فترة انقطاع للوحي ثم عاد نزوله عليه ( ص ) في رمضان كما يذكر صفي الرحمن المباركفوري.

وقد ورد التنصيص في رواية الصحيحين على أن الوحى الذي نزل عليه صلى الله عليه وسلم بعد الفترة إنما نزل وهو صلى الله عليه وسلم راجع إلى بيته بعد إتمام جواره بتمام الشهر‏.‏
أقول‏:‏ فهذا يفيد أن الوحى الذي نزل عليه صلى الله عليه وسلم بعد الفترة إنما نزل في أول يوم من شهر شوال بعد نهاية شهر رمضان الذي تشرف فيه بالنبوة والوحى؛ لأنه كان آخر مجاورة له بحراء، وإذا ثبت أن أول نزول الوحى كان في ليلة الاثنين الحادية عشرة من شهر رمضان فإن هذا يعنى أن فترة الوحى كانت لعشرة أيام فقط‏.‏ وأن الوحى نزل بعدها صبيحة يوم الخميس لأول شوال من السنة الأولى من النبوة‏.‏ ولعل هذا هو السر في تخصيص العشر الأواخر من رمضان بالمجاورة والاعتكاف، وفي تخصيص أول شهر شوال بالعيد السعيد."
من المهم هنا ملاحظة الجملة الأخيرة مما ذكره مباركفوري حيث أنه يورد تفسيرا محتملا لاختيار أول يوم شهر شوال على أنه يوم عيد الفطرعلى الرغم من أن صيام شهر رمضان فرض على المسلمين في السنة الثانية للهجرة, فإن النبي (ص) كان يقضي شهر رمضان بالعديد من العبادات حتى قبل النبوة. إن شهر رمضان مرتبط أولاً بنزول الوحي, ثانياً بعبادة سنوية, و ثالثاً بعودة الوحي إلى الرسول ( ص ) في غار حراء. فإن اليوم الأول من شهر شوال كان له أهمية خاصة عند النبي (ص), فإنه كان يرجع فيه إلى أهله بعد مرور الشهر الكامل في العبادة و التعبد في غار حراء, فهو يمثل بالنسبة له و لأهله يوم الفرح والسعادة. هذه الحقائق التاريخية تلقي الضوء على الأسباب التي كانت وراء اتخاذ هذا اليوم كعيد للمسلمين. ولا بيدو أنه (ص) اتخذ يوم الأول من شهر شوال عيدا هكذا و كيف ما اتفق, كما أن هذا اليوم الأول من شهر شوال كان بداية لموسم الحج كما ذكرناه سالفا. فإن النبي (ص) لم يتخذ يوما عيد الفطر و عيد الأضحي هكذا بدون السبب, بل على العكس من ذلك فإننا نرى أنه من الجلي و الواضح أن الرسول (ص) حددهما بناء على رمضان والحج, كما أن العديد من العلماء لاحظ هذه الصلة بين الحج وبين هذين العيدين. فعلى سبيل المثال: الإمام ابن تيمية لاحظ هذه الصلات, و لاحظ أن هذين العيدين مرتبطين بالحج بشكل مباشر. يقول شيخ الإسلام:

"فإن يوم النحر يوم الحج الأكبر وايضا فإن أشهر الحج هي الأشهر التي سن الله فيها الحج وشرعه والحج له إحرام وإحلال فأشهره هي الوقت الذي يسن فيه الإحرام به والإحلال منه وأول وقت شرع الإحرام فيه بالحج شوال والوقت الذي يشرع فيه الإحلال يوم النحر وما بعد يوم النحر لا يشرع التأخير إليه وليلة النحرلا يسن التعجيل فيها كما لا يسن الإحرام بالحج قبل أشهره وايضا فإن هذه المدة أولها عيد الفطر وآخرها عيد النحر والحج هو موسم المسلمين وعيدهم فكأنه جعل طرفي وقته عيدين

المفسراسماعيل الحقي صاحب كتاب تفسير روح البيان أوضح أيضاً السبب وراء اتخاذ هذين اليومين كعيدين وكأيام احتفال عند المسلمين. فهو ربطهما مباشرة بصيام رمضان و بتأدية فريضة الحج.

"وصلاة الجمعة وجعل ذلك لهم عيداً ولذلك نهى عن إفراده بالصوم وفي شهود الجمعة شبه من الحج ويروى أنها حج المساكين. وقال سعيد بن المسيب شهود الجمعة أحب إلي من حجة نافلة والتكبير فيها يقوم مقام الهدي على قدر السبق والشهود الجمعة يوجب تكفير الذنوب إلى الجمعة الأخرى إذا سلم ما بين الجمعتين من الكبائر كما أن الحج المبرور يكفر ذنوب تلك السنة إلى الحجة الأخرى، وقد روي إذا سلمت الجمعة سلمت الأيام. وأما العيدان اللذان يتكرران في كل عام إنما يأتي كل واحد منهما مرة واحدة فأحدهما عيد الفطر من صوم رمضان وهو مرتب على إكمال الصيام وهو الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه فإذا استكمل المسلمون صيام شهرهم المفروض عليهم استوجبوا من الله المغفرة والعتق من النار فإن صيامه يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب وآخره عتق من النار والعيد الثاني عيد النحر وهو أكبر العيدين وأفضلهما وهو مرتب على إكمال الحج وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه فإذا أكمل المسلمون حجتهم غفر لهم وإنما يكمل الحج يوم عرفة والوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم."
بل هو ذهب إلى أبعد من ذلك حيث ربط هذين اليومين بالإيمان و الاعتقاد بالآخرة.
وروى أنس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: قد أبدلكم الله بهما خيراً منهما الفطر والأضحى»، واجتمعت الأمة على هذا من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا بلا نكير منكر فهذه أعياد الدنيا تذكر أعياد الآخرة وقد قيل كل يوم كان للمسلمين عيداً في الدنيا فهو عيد لهم في الجنة يجتمعون فيه على زيارة ربهم ويتجلى لهم فيه فيوم الجمعة في الجنة. يدعي يوم المزيد ويوم الفطر والأضحى يجتمع أهل الجمعة فيهما للزيارة هذا لعوام أهل الجنة وأما خواصهم فكل يوم لهم عيد يزورون ربهم كل يوم مرتين بكرة وعشيا والخواص كانت أيام الدنيا كلها لهم أعياداً فصارت أيامهم في الآخرة كلها أعياداً. وأما أخص الخواص فكل نفس عيد لهم.

نستطيع الأن أن نقول أن هذين العيدين ليسا حدثين منفصلين بل هما مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بفرائض أخرى و بأركان إسلامية أخرى كفريضة الصيام و فريضة الحج إلى مكة, و الرسول (ص) اختار هذين اليومين بهدى من الله تعالى لارتباطهما الوثيق بإثنين من أهم العبادات في الإسلام, ألا و هما الصوم و الحج.

و لقد كان من المستحيل على المسلمين في مكة صيام شهر رمضان وذلك بسبب الاضطهاد و التعذيب الذي كانوا يتعرضون له, و كان معظمهم يخفي إسلامه تفاديا للتعذيب النفسي والجسدي الذي كان يواجهه كل من يشهر إسلامه. لذا فإن النبي (ص) أمر بصيام شهر رمضان بأمر إلهي فور توفر بيئة و مناخ آمنين للمسلمين يستطيعون فيهما ممارسة شعائر دينهم بحرية, و كان ذلك في المدينة بعد الهجرة, كما أن العديد من الشعائر الإسلامية فرضت كذلك في نفس الفترة تقريباً مثل زكاة الفطر, و عيد الفطر, و عيد الأضحى, كلها فرضت في السنة الثانية للهجرة .

لكن الحج فرض متأخراً عن ذلك, ذلك أن الأماكن المرتبطة بالحج كالكعبة و عرفة والمزدلفة كلها كانت واقعة تحت سيطرة العدو و ما كان يسيراً على المسلمين أن يذهبوا وقت شاؤوا لأداء العمرة أو الحج. والله سبحانه وتعالى لا يفرض على المسلمين ما لا طاقة لهم به. لذا فإننا نرى أن نبي الإسلام (ص) كان يضع القواعد و يحدد للمسلمين أوقات الفرائض و يحدد ماذا و متى و كيف تؤدى كل منها على حسب الحالة والوضع المتاح للمسلمين. فعلى سبيل المثال: الرسول (ص) قام بأداء العمرة أثناء فترة صلح الحديبية و حتى قبل أن يفرض الحج. ثم بعد ذلك أصبح الحج فرضاً و العمر سنة.
إن بعض العلماء الذين يربطون العيدين بالصيام و الحج يعتمدون على سياق الآيات القرآنية الموجودة في سورة البقرة, هذه السلسلة من الآيات تبدأ بالصيام و تنتهي بالحج. فهي تتسلسل بشكل طبيعي كالاتي:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)

ثم تتعرض الآيات إلى قضية القمر الجديد.
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)

يلاحظ القرطبي بأن الله "أفرد سبحانه الحج بالذكر لانه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت، وأنه لا يجوز النسئ فيه عن وقته، بخلاف ما رأته العرب، فإنها كانت تحج بالعدد وتبدل الشهور، فأبطل الله قولهم وفعلهم."

ثم بعد ذلك تذهب الآيات مباشرة لتتحدث عن شعائر الحج و العمرة:
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)

و تتوج هذه الآيات أخيراً بتكبيرات أيام التشريق.
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)
و أبعد من ذلك نرى أن كل شعائر و طقوس عيد الأضحى مرتبطة ارتباطاً مباشراً و مستوحاة من شعائر و طقوس الحج. والقرآن توجه بالمقام الأول إلى الحجاج. والمسلمون الذين يقومون بأداء شعائر عيد الأضحى هم في الحقيقة يتبعون الشعائر التي يقوم بها الحجاج. فمثلا: أشهر الحج الواردة في القران الكريم تبدأ بأول أيام شوال .
فقال ٱبن مسعود وٱبن عمر وعطاء والرّبيع ومجاهد والزهريّ: أشهر الحج شوّال وذو القعدة وذو الحجة

الإمام الشافعي يخبرنا بدقة عن البداية والنهاية لأشهر الحج, فهو يرى أن أشهر الحج و طقوسه تبدأ من اليوم الأول لشوال, الذي هو عيد الفطر و تنتهي في التاسع من ذي الحجة, فيكون عيد الأضحى في العاشر من ذي الحجة أي في اليوم الختامي للحج . يقول الشافعي: "قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} (أَنَا) أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} . قَالَ: أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ. وَلا يُفْرَضُ الْحَجُّ [إلا] فِي شَوَّالِ كُلِّهِ وَذِي الْقَعْدَةِ كُلِّهِ، وَتِسْعٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَلا يُفْرَضُ إذَا خَلَتْ عَشْرَةُ ذِي الْحِجَّةِ، فَهُوَ مِنْ شُهُورِ الْحَجِّ، وَالْحَجُّ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ."

كما نعلم أن الحج لا يكتمل بدون الوقوف في عرفة ووقوف عرفة هو الحج, ولا يصوم الحجاج ذلك اليوم ليستمتعوا باجتماع المسلمين. يروي الترمذي:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِعَرَفَةَ فَسَأَلُوهُ فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى الْحَجُّ عَرَفَةُ مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ."

و يذكر القرطبي الإجماع على ذلك:
وأجمعوا على تمام حَجّ من وقف بعرفة بعد الزوال وأفاض نهاراً قبل الليل؛

و تقديم الأضاحي موصى به أصلاً للحجيج ثم لباقي المسلمين بعد ذلك. يقول الله عزوجل في سورة الحج:

وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28

أما العلة وراء ذكر اسم الله تعالى فيقول القرطبي أنه يعني ذكر اسم الله تعالى عند الذبح, وفيه إشارة الى الحج بحسب الآية.
والمراد بذكر اسم الله ذكر التسمية عند الذبح والنحر؛ مثل قولك: باسم الله والله أكبر، اللهم منك

و البدن المذكورة في القرآن تعني الإبل أو أي حيوان يحل ذبحه عند الكعبة.
والبُدْن هي الإبل التي تُهْدَى إلى الكعبة.

يقول القرآن الكريم.
وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)

يقول الإمام القرطبي أن الأمر موجه إلى الحجاج أصلا و أن عامة المسلمين إنما يضحون مشاركة للحجاج و طلباً للثواب.
"لأن الحاج إنما هو مخاطب في الأصل بالهَدْي، فإذا أراد أن يضحي جعله هدياً، والناس غير الحاج إنما أمروا بالأضحية ليتشبهوا بأهل منًى فيحصل لهم حظ من أجرهم."

حتى تكبيرات التشريق هي أصلاً للحجاج. و عامة المسلمين يتبعون الحجاج في هذا الأمر. الكثير من العلماء لاحظ هذا الارتباط بين شعائر عيد الأضحى و شعائر الحج.
فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)

و يرى مجاهد أن الشعائر المذكورة في الآية تشير إلى شعائر الحج, و هي تعني أن يذكروا الله سبحانه و تعالى بعد الانتهاء من الحج."قال مجاهد: المناسك الذبائح وهِراقة الدماء. وقيل: هي شعائر الحج؛ لقوله عليه السلام: «خذوا عني مناسككم». المعنى: فإذا فعلتم منسكاً من مناسك الحج فٱذكروا الله وأثنوا عليه بآلائه عندكم."

كذلك يرى ابن العربي, أن الآية أصلاً موجهة إلى الحجاج, لكن على جميع المسلمين أن يتبعوهم في التكبيرات بعد الصوات اليومية.
" فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الذِّكْرِ: لا خِلافَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهِ هُوَ الْحَاجُّ، خُوطِبَ بِالتَّكْبِيرِ عِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ، فَأَمَّا غَيْرُ الْحَاجِّ فَهَلْ يَدْخُلُ فِيهِ أَمْ لا؟ وَهَلْ هُوَ أَيْضًا خِطَابٌ لِلْحَاجِّ بِغَيْرِ التَّكْبِيرِ عِنْدَ الرَّمْيِ؟ فَنَقُولُ: أَجْمَعَ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ وَالْمَشَاهِيرُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّكْبِيرُ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَخُصُوصًا فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ؛ فَيُكَبِّرُ عِنْدَ انْقِضَاءِ كُلِّ صَلاةٍ، كَانَ الْمُصَلِّي فِي جَمَاعَةٍ أَوْ وَحْدَهُ يُكَبِّرُ تَكْبِيرًا ظَاهِرًا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ.

أما الامام ابن تيمية فقد قدم ملاحظة مهمة حيث يقول أن الذبح في منى هو القاعدة, و كل المدن الأخرى يجب أن تكون تبعاً لمكة في هذا الأمر, لهذا السبب فإن عيد الأضحى هو العيد الأعظم من بين العيدين و يسمى بيوم النحر و يوم العيد الأكبر لكون هذا العيد مرتبطاً بمكان مقدس و وقت مقدس.
"{وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} [الحج: 27، 28] ـ إلى قوله ـ {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله} فجعل إتيانهم إلى المشاعر ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات. ولو أراد الأضحية فقط لم يكن للمشاعر بهذا اختصاص؛ فإن الأضحية مشروعة في جميع الأرض، إلا أن هذا الوجه يرد على قولنا: بذكر اسم الله في جميع العشر في الأمصار. فيقال: لم خص ذلك بالاتيان إلى المشاعر؟ وقد يحتج به من يرى ذكر الله عند رأية الهدى؛ لأن الهدي يساق إلى مكة، لكن عنده يجوز ذبح الهدي، متى وصل فأي فائدة لتوقيته بالأيام المعلومات. ويجاب عن هذا بوجهين:
أحدهما: إن الذبح بالمشاعر أصل، وبقية الأمصار تبع لمكة، ولهذا كان عيد النحر العيد الأكبر، ويوم النحر يوم الحج الأكبر لأنه يجتمع فيه عيد المكان والزمان

الإمام الحنبلي المعروف الحافظ ابن رجب يشرح العلاقة بين صلاة عيد الأضحى و حركة الحجيج من المزدلفة إلى منى و يقول أن هذا هو رأي الامام أحمد بن حنبل, حيث يرى الإمام أن صلاة العيد يجب أن تؤدى في وقت حركة الحجاج من المزدلفة إلى منى و رمي الجمرات. نلاحظ هنا أن الإمام أحمد ربط بوضوح بين صلاة العيد و بين الوقت الذي يقوم به الحجاج بشعيرتهم يوم العيد. و هو أيضاً يقول أن صلاة العيد لعامة المسلمين يجب أن تتبع حركة الحجيج و أفعالهم.
يقول ابن رجب:
"ويكون تعجيل صلاة الأضحى بمقدار وصول الناس من المزدلفة إلى منى ورميهم وذبحهم -نص عليه أحمد في رواية حنبل-؛ ليكون أهل الأمصار تبعاً للحاج في ذَلِكَ؛ فإن رمي الحاج الجمرة بمنزلة صلاة العيد لأهل الأمصار."
و قد ذكر الإمام البغوي أن ابن عباس, و الإمام مالك, و الإمام الشافعي يرون أن على المسلمين في كل أنحاء الأرض اتباع مواقيت الحجاج في تكبيرات التشريق. الإمام الشافعي قال بوضوح أن المسلمين في كل أنحاء الأرض يجب أن يتبعوا الحجاج في التكبيرات.
"وقال قوم: يبتدىء التكبير عقيب صلاة الظهر من يوم النحر ويختم بعد (صلاة) الصبح من آخر أيام التشريق، يُروى ذلك عن ابن عباس، وبه قال مالك والشافعي في أحد قوليه، قال الشافعي: لأن الناس فيه تبع للحاج، وذكر الحاج قبل هذا الوقت التلبية، ويأخذون في التكبير يوم النحر من بعد صلاة الظهر."

كما أسند الإمام الخازن هذا الرأي إلى ابن عمر بالاضافة إلى العلماء السالف ذكرهم فيما سبق. و هو (ابن عمر) كذلك ذهب إلى أن على المسلمين في كل مكان اتباع الحجيج في التكبيرات.
"وأجمعوا أيضاً على أن التكبير في عيد الأضحى وفي هذه الأيام في إدبار الصلوات سنة واختلفوا في هذا وقت التكبير فقيل يبتدئ به من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة من آخر أيام التشريق فيكون التكبير على هذا القول في خمسة عشر صلاة, وهو قول ابن عباس وابن عمر, وبه قال الشافعي: في أصح أقواله قال الشافعي: لأن الناس فيه تبع للحاج."

وكان لابن العربي الرأي ذاته:
"وَالتَّحْقِيقِ أَنَّ التَّحْدِيدَ بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ ظَاهِرٌ، وَأَنَّ تَعَيُّنَهَا ظَاهِرٌ أَيْضًا بِالرَّمْيِ، وَأَنَّ سَائِرَ أَهْلِ الآفَاقِ تَبَعٌ لِلْحَاجِّ فِيهَا، وَلَوْلا الاقْتِدَاءُ بِالسَّلَفِ لَضَعُفَ مُتَابَعَةُ الْحَاجِّ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ أَهْلِ الآفَاقِ إلا فِي التَّكْبِيرِ عِنْدَ الذَّبْحِ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ."
كما ذكر الإمام السرخسي أن الإمام الشافعي و أبو يوسف كانوا على نفس الرأي بالنسبة للتكبيرات. و من المعروف أن الإمام أبو يوسف هو تلميذ الإمام أبي حنيفة. هذا يدلنا على أن العلماء الأربعة المعروفين, أصحاب المدارس الفقهية الأربعة والرئيسة عند أهل السنة اتفقوا على أن المسلمين في كافة بقاع الأرض يجب أن يتبعوا الحجاج في تكبيرات التشريق. يقول السرخسي:
"وأخذ أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى بقول علي رضي الله عنه لقوله تعالى: {واذكروا الله في أيام معدودات} (البقرة: 203) وهي إما أيام التشريق أو أيام النحر، فينبغي أن يكون التكبير فيها مشروعاً، ولأنا أمرنا بإكثار الذكر ولأن يكبر ما ليس عليه أولى من أن يترك ما عليه واتفق الشبان من الصحابة زيد بن ثابت وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم على أن يبدأ بها من صلاة الظهر يوم النحر وإليه رجع أبو يوسف لقوله تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم} (البقرة: 200) والفاء للتعقيب وقضاء المناسك وقت الضحى من يوم النحر فينبغي أن يكون التكبير عقيبه، والناس في هذه التكبيرات تبع للحاج ثم الحاج يقطعون التلبية عند رمي جمرة العقبة ويأخذون في التكبيرات وذلك وقت الضحوة فعلى الناس أن يكبروا عقيب أول صلاة مؤداة بعد هذا الوقت وهي صلاة الظهر ثم قال ابن عمر رضي الله عنه إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه إلى صلاة الظهر وقال زيد إلى صلاة العصر وبه أخذ الشافعي رضي الله عنه."

ومن المهم هنا أن نتطرق إلى الرأي الآخر والمخالف للرأي الذي أوردناه سابقاً حول تكبيرات الإحرام و ارتباطها بمواقيت الحج, حيث قال الإمام أبو الليث السمرقندي أن بداية التكبيرات تكون مساء اليوم التاسع من ذي الحجة و تستمر إلى آخر أيام التشريق:
"وَأَمَّا تَكْبِيرُ الأَضْحَىٰ، فَفِي وَقْتِهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهُمَا: يُبْتَدَأُ بَعْدَ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، إلَىٰ أَنْ يُصَلَّىٰ الصُّبْحُ مِنْ آخِرِ أَيام التَّشْرِيقِ، وَالدَّلِيلُ عَلَىٰ أَنَّهُ يُبْتَدَأُ بَعْدَ الظُّهْرِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَإذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا الله»} ، وَالمَنَاسِكُ تُقْضَىٰ يَوْمَ النَّحْرِ ضَحْوَةً. وَأَوَّلُ صَلاَةِ تَلْقَاهُمْ الظُّهْرُ. وَالدَّلِيلُ عَلَىٰ أَنَّهُ يَقْطَعُهُ بَعْدَ الصُّبْحِ: أَنَّ النَّاسَ تَبَعٌ لِلْحَاجِّ، وَآخِرُ صَلاَةٍ يُصَلِّيهَا الحَاجُّ بِمِنَىٰ صَلاَةُ الصُّبْحِ، ثُمَّ يَخْرُجُ. وَالثَّانِي: يُبْتَدَأُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ العِيدِ؛ قِيَاساً عَلَىٰ عِيدِ الفِطْرِ، وَيَقْطَعُهُ إذَا صَلَّىٰ الصُّبْحَ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ.

لكن معظم العلماء ربطوا التكبيرات بـأفعال الحجاج. و كذلك فعل الإمام النووي.
"أن الناس تبع للحاج، وآخر صلاة يصليها الحاج بمنى صلاة الصبح ثم يخرج والثاني: يبتدىء بعد غروب الشمس من ليلة العيد قياساً على عيد الفطر ويقطعه إذا صلى الصبح من آخر أيام التشريق لما ذكرناه والثالث: أن يبتدىء بعد صلاة الصبح من يوم عرفة ويقطعه بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق لما روى عمر وعلي رضي الله عنهما أن رسول الله : «كان يكبر في دبر كل صلاة، بعد صلاة الصبح يوم عرفة إلى ما بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق».

و قال الإمام ابن قدامة المقدسي :
"لا خلاف بين العلماء رحمهم الله في أن التكبير مشروع في عيد النحر واختلفوا في مدته فذهب إمامنا رضي الله عنه إلى أنه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق وهو قول عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم، وإليه ذهب الثوري وابن عيينة وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور والشافعي في بعض أقواله، وعن ابن مسعود أنه كان يكبر من غداة عرفة إلى العصر من يوم النحر وإليه ذهب علقمة والنخعي وأبو حنيفة لقوله تعالى: {وَيَذْكُرْوا اسْمَ اللَّهِ فِي أيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} (الحج: 28). وهي العشر، وأجمعنا على أنه لا يكبر قبل يوم عرفة، فينبغي أن يكبر يوم عرفة ويوم النحر. وعن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز : أن التكبير من صلاة الظهر يوم النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق، وبه قال مالك والشافعي في المشهور عنه لأن الناس تبع للحاج والحاج يقطعون التلبية مع أول حصاة ويكبرون مع الرمي، وإنما يرمون يوم النحر فأول صلاة بعد ذلك الظهر، وآخر صلاة يصلون بمنى الفجر من اليوم الثالث من أيام التشريق

أريد أن أشير هنا إلى أنني قد أوردت كل تلك الشواهد المتعددة لعلماء الحنفية و الشافعية و الحنبلية لأثبت أن هؤلاء الفقهاء اتفقوا في فهمهم أن شعائر عيد الأضحى كصلاة العيد, و تقديم الأضحة, و حتى تكبيرات التشريق تابعة للحجاج. لذا فإن القول بأن عيد الأضحى هو حدث مستقل بذاته و ليس له أي علاقة بالحج لا من قريب ولا من بعيد, هو قول عار عن الصحة, مجاف للحقيقة. بل على العكس من ذلك فإن عيد الأضحى مرتبط بالحج ارتباط السبب بالمسبب, و هو اتباع دقيق و محاكاة واضحة لبعض شعائر الركن الأخير من أركان الإسلام. و هو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحج مكاناً و زماناً.

وقد لاحظ ابن تيمية هذا منذ زمن بعيد حيث قال:
"وأما التكبير في النحر فهو أوكد من جهة أنه يشرع أدبار الصلوات وانه متفق عليه، وان عيد النحر يجتمع فيه المكان والزمان، وعيد النحر أفضل من عيذ الفطر، ولهذا كانت العبادة فيه النحر مع الصلاة. والعبادة في ذاك الصدقة مع الصلاة. والنحر أفضل من الصدقة، لأنه يجتمع فيه العبادتان البدنية والمالية، فالذبح عبادة بدنية ومالية، والصدقة والهدية عبادة مالية ولأن الصدقة في الفطر تابعة للصوم، لأن النبـي صلى الله عليه وسلّم فرضها طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين ولهذا سن أن تخرج قبل الصلاة، كما قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى} [الأعلى: 14، 15]. وأما النسك فإنه مشروع في اليوم نفسه عبادة مستقلة، ولهذا يشرع بعد الصلاة، كما قال تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2، 3]. فصلاة الناس في الأمصار بمنزلة رمي الحجاج جمرة العقبة، وذبحهم في الأمصار بمنزلة ذبح الحجاج هديهم. وفي الحديث الذي في السنن: «أفضل الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر» وفي الحديث الآخر الذي في السنن: وقد صححه الترمذي: «يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب وذكر لله»

كذلك اتفق رأي العالم الحنيلي منصور بن يوسف البيهوتي مع آراء العلماء السابقين في مسألة الارتباط الوثيق بين الحج و عيد الأضحى.
وأن عيد النحر يجتمع فيه المكان والزمان. وعيد النحر أفضل من عيد الفطر."

و يخبرنا القرآن الكريم أن الأيام العشرة الأول من ذي الحجة هي أيام مقدسة.
وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ
قال مجاهد والسدّيّ والكلبيّ في قوله: «وليالٍ عشْرٍ» هو عشر ذي الحِجة،

و قال الرسول ( ص ) كما روي الإمام أحمد:
حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ، حدثنا عفان ، حدثنا أَبو عوَانة ، حدثنا يزيد بن أَبي زياد ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما مِنْ أَيامٍ أَعْظَمُ عند الله، ولا أَحبُّ إِليه من العمل فيهنَّ، من هذه أَلايام العشْر، فأَكْثِروا فيهنَّ من التهليل والتكبير والتحميد» .

العبادة في هذه الأيام العشرة أفضل من الجهاد كما قال ( ص ):

حدّثنا عبد الله ، حدَّثني أبي ، ثنا يحيـى بن آدم و أبو النضر قالا: ثنا زهير ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن عبد الله بن باباه ، عن عبد الله بن عمرو قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت الأعمال فقال: «ما من أيام العمل فيهن أفضل من هذه العشر، قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد؟ قال؟ فأكبره، قال: ولا الجهاد إلا أن يخرج رجل بنفسه وماله في سبيل الله، ثم تكون مهجة نفسه فيه».

كما أن الصيام فيها له أيضاً أجر مضاعف.
"قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ، وَلاَ الْعَمَلُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَىٰ مِنْ هٰذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَذِكْرِ اللَّهِ، وَإِنَّ صِيَامَ يَوْمٍ مِنْهَا يَعْدِلُ بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَالْعَمَلُ فِيهِنَّ يُضَاعَفُ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ» (هب) عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهُمَا.

لذا فإنه لا يوجد شك في أن الأجر المضاعف في هذه الأيام العشرة مرتبط بالتجمع العالمي الأعظم للمسلمين. كما أن ذروة الحج تتجلى في يوم العيد. لهذا السبب فإن المسلمين في كل أنحاء العالم مطالبون بالمشاركة فيه لعلهم ينالون من هذا الثواب الهائل لهذا التجمع الإسلامي العظيم. كما أن صيام غير الحجاج يوم عرفة متصل أيضاً بالوقوف في عرفة و لا يحبذ للحاج أن يصوم حتى يتسنى له القيام و الوقوف و التضرع في عرفة مع باقي الحجاج. غير أن معظم العلماء قالوا بحرمة صيام الحجاج في يوم عرفة ذلك حتى يتمكنوا من التركيزعلى حجهم و خضوعهم لله.

يروي الترمذي بأن النبي (ص) قال:
"حدثنا قُتَيْبةُ و أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ قالا أخبرنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عن غَيْلاَنَ بنِ جَرِيرٍ عن عبدِ الله بنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ عن أبي قَتَادَةَ ، أنَّ النبيَّ قال: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ إنِّي أحْتَسِبُ على الله أنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ التي بعدهُ والسَّنَةَ التي قبلهُ»."

كما يروي البيهقي:

"أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو زكريا بن أبي إسحاقَ المُزَكِّي وغيرُهُما قالوا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوبَ ثنا بَكَّارُ بنُ قُتَيْبَةَ ثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ وَعَمْرُو بن حَكَّامٍ قالا ثنا شعبة قال سمعت غَيْلاَنَ بنَ جَرِيرٍ يحدث عن عبد الله بن مَعْبَدِ الزِّمَانِيِّ عن أبي قَتَادَةَ الأنصاريِّ أَنَّ رسولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عن صومِ يومِ عَرَفَةَ، قالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الماضِيَةَ والبَاقِيَةَ». أخرجه مسلم في الصحيح من حديثِ شُعْبَةَ وغيرِهِ."

و هناك بعض العلماء ممن سمحوا بالاجتماع الخاص في المساجد لعامة المسلمين إحياءً للوقوف في عرفة و مشاركةً وجدانيةً لمشاعر الخضوع لله سبحانه و تعالى.و ابن عباس هو أول من بدأ هذا.
ولا بأس بالتعريف في المساجد يوم عَرَفة بغير عرفة، تشبيهاً بأهل عرفة. روى شعبة عن قتادة عن الحسن قال: أوّل من صنع ذلك ٱبن عباس بالبصرة. يعني ٱجتماع الناس يوم عرفة في المسجد بالبصرة. وقال موسى بن أبي عائشة: رأيت عمر بن حُرَيث يخطب يوم عرفة وقد ٱجتمع الناس إليه. وقال الأثرم: سألت أحمد بن حنبل عن التعريف في الأمصار، يجتمعون يوم عرفة، فقال: أرجو ألا يكون به بأس، قد فعله غير واحد: الحسن وبكر وثابت ومحمد بن واسع، كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة.

خلال الأيام العشرة الأول من شهر ذي الحجة فإن شعائر الحج و عبادات الحجيج مرجحة على باقي العبادات الأخرى في منطقة الحرم. و هناك نوع من الاجماع بين فقهاء المسلمين أن يوم عرفة و بوم عيد الأضحى يحددون تبعاً لوقوف الحجاج على عرفة و يوم يقدمون أضحياتهم. رأى بعض العلماء أن هذه القواعد خاصة فقط بالحجاج و ذهب البعض الآخر إلى أنها عامة لعامة المسلمين.
قال رسول الله ( ص ):
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَخْنَسِيِّ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَالْأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ
قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَفَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا أَنَّ الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَعُظْمِ النَّاسِ."

«صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ وأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ وعَرَفَتُكُمْ يَوْمَ تَعْرِفُونَ» ورُوِيَ: «وحَجَّكُمْ يَوْمَ تَحُجُّونَ» .

قال علاء الدين أبو بكر الكا ساني:
فقد جعل النبـي وقت الوقوف أو الحج وقت تقف أو تحج فيه الناس

و قال القرطبي:
وروي عن ابن عباس والحسن البصري أن هذه في تقديم الأهِلّة وتأخيرها في الفطر والأضحى والصوم؛ فإذا أخطأت الجماعة هلال ذي الحجة فوقفوا قبل يوم عرفة بيوم أو وقفوا يوم النحر أجزأهم، على خلاف فيه بيناه في كتاب المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس رضي الله عنه. وما ذكرناه هو الصحيح في الباب. وكذلك الفطر والأضحى؛ لما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن المُنْكَدِر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فِطركم يوم تُفْطِرون وأضحاكم يوم تضحون». خرجه أبو داود والدَّارَقُطْنِيّ، ولفظه ما ذكرناه. والمعنى: باجتهادكم من غير حرج يلحقكم. وقد روى الأئمة أنه عليه السلام سئل يوم النحر عن أشياء، فما يُسأل عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم الأمور بعضها قبل بعض وأشباهها إلا قال فيها: «افعل ولا حرج».

هذه القاعدة يعمل بها فقط في حال الخطأ, أي في حال وقوف الحجاج على عرفة في اليوم الخطأ سواءً في التقديم أو التأخير. قال ابن حزم:
"ومن أخطأ في رؤية الهلال لذي الحجة فوقف بعرفة اليوم العاشر وهو يظنه التاسع، ووقف بمزدلفة الليلة الحادية عشرة وهو يظنها العاشرة: فحجه تام ولا شيء عليه، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل: إن الوقوف بعرفة لا يكون إلا في اليوم التاسع من ذي الحجة أو الليلة العاشرة منها؛ وإنما أوجب عليه السلام الوقوف بها ليلاً أو نهاراً. فصح أن كل من وقف بها أجزأه ما لم يقف في وقت لا يختلف اثنان في أنه لا يجزيه فيه.

ذكر الإمام محمد بن حسن الشيباني التلميذ للإمام أبي حنيفة أن قرار الإمام نافذ حتى و إن رأى المسلم العادي الهلال الجديد بأم عينه, و كان التاسع من ذي الحجة اعتمادا على الرؤية البصرة مغايراً ليوم عرفة الذي أعلنه الإمام.

"قال محمد : فإن اشتبه على الناس فوقف الإمام والناس يوم النحر وقد كان من رأى الهلال وقف يوم عرفة لم يجزه وقوفه، وكان عليه أن يعيد الوقوف مع الإمام لأنَّ يومَ النحر صار يوم الحج في حق الجماعة، ووقت الوقوف لا يجوز أن يختلفَ فلا يعتد بما فعله بانفراده. وكذا إذا أخر الإمام الوقوف لمعنى يسوغ فيه الاجتهاد لم يجز وقوف من وقف قبله.

و يقول الكاساني:
"فإن شهد شاهدان عند الإمام بهلال ذي الحجة فرد شهادتهما لأنه لا علة بالسماء فوقف بشهادتهما قوم قبل الإمام لم يجز وقوفهم، لأن الإمام أخر الوقوف بسبب يجوز العمل عليه في الشرع، فصار كما لو أخر بالاشتباه. والله تعالى أعلم."

و صاحب كتاب كنز الدقائق أورد ما يلي:
وَهُوَ الَّذِي وَقَفَ عَلَيْهِ النَّاسُ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّهُ التَّاسِعُ لِمَا رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ [: صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ, وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ, وَعَرَفَتُكُمْ يَوْمَ تُعَرِّفُونَ, وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ] أَيْ وَقْتُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى - الْيَوْمُ الَّذِي يَقِفُ النَّاسُ فِيهِ عَنْ اجْتِهَادٍ وَرَأْيٍ أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَة َ

و يقول العالم الخنفي ابن مزة البخاري:
وفي «الجامع الصغير»: أهل عرفة وقفوا في يوم شهد قوم أنهم وقفوا في يوم النحر أجزأتهم حجتهم. وصورة المسألة: أن يشهد قوم برؤية هلال ذي الحجة في ليلة كان اليوم الذي وقفوا اليوم العاشر من ذي الحجة، وهذا لأن التحرز عن الخطأ غير ممكن، فإذا ظهر الخطأ، والتدارك غير ممكن، وجب أن يسقط التكليف صيانة لجميع المسلمين، ولأن هذه شهادة قامت على النفي، وعلى أمر لا يدخل تحت الحكم والإلزام، ومثل هذه الشهادة لا تقبل.

و قال أيضاً:
وفي «المنتقى»: عمرو بن أبي عمرو عن محمد رحمه الله: إذا قيل الحجاج..... بريدون، فأبصر بعضهم هلال ذي الحجة، فرد الإمام شهادتهم، وعدّ الإمام ذا القعدة ثلاثين يوماً، ووقف يوم التاسع بعرفة وهو اليوم العاشر في شهادة الشهود، ووقف الشهود معه، فحجهم تام، هم وغيرهم في الحج سواء، وإن استيقنوا أن هذا اليوم يوم النحر. ولو أن هؤلاء الشهود بعدما رد الإمام شهادتهم وقفوا بعرفات على ما رأوا عليه الهلال قبل وقوف الإمام بيوم ولم يقفوا مع الإمام من الغد، فقد فاتهم الحج، وعليهم أن يحلوا بعمرة، وعليهم الحج من قابل.
روى الإمام ابن تيمية أنه لا يوجد اختلاف في الرأي بين الفقهاء على أن المسلمين يجب أن يتوحدوا في تحديد شهر الأضحى, ولم يسمح أي فقيه لمن يرى القمر أن يذهب و يقف على عرفة أو أن يضحي تبعاً لرؤيته الشخصية. بل عليه الانضمام إلى الغالبية من المسلمين. يقول ابن تيمية:

"لكن شهر النحر ما علمت أن أحداً قال من رآه يقف وحده، دون سائر الحاج، وأنه ينحر في اليوم الثاني، ويرمي جمرة العقبة، ويتحلل دون سائر الحاج. وإنما تنازعوا في الفطر: فالأكثرون ألحقوه بالنحر، وقالوا لا يفطر إلا مع المسلمين وآخرون قالوا بل الفطر كالصوم، ولم يأمر الله العباد بصوم واحد وثلاثين يوماً، وتناقض هذه الأقوال يدل على أن الصحيح هو مثل ذلك في ذي الخجة… وحينئذٍ فشرط كونه هلالاً وشهراً شهرته بين الناس، واستهلال الناس به حتى لو رآه عشرة، ولم يشتهر ذلك عند عامة أهل البلد، لكون شهادتهم مردودة، أو لكونهم لم يشهدوا به، كان حكمهم حكم سائر المسلمين، فكما لا يقفون ولا ينحرون ولا يصلون العيد إلا مع المسلمين، فكذلك لا يصومون إلا مع المسلمين، وهذا معنى قوله: «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرن، وأضحاكم يوم تضحون». ولهذا قال أحمد في روايته يصوم مع الإمام وجماعة المسلمين في الصحو والغيم. قال أحمد يد الله على الجماعة.

و لخص الإمام ابن تيمية هذه النقطة في مقام آخر بما يلي:

"وسئل شيخ الإسلام رحمه الله: عن أهل مدينة رأى بعضهم هلال ذي الحجة، ولم يثبت عند حاكم المدينة فهل لهم أن يصوموا اليوم الذي في الظاهر التاسع. وإن كان في الباطن العاشر؟. فأجاب: نعم. يصومون التاسع في الظاهر المعروف عند الجماعة، وإن كان في نفس الأمر يكون عاشراً، ولو قدر ثبوت تلك الرؤية. فإن في السنن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون» أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي وصححه. وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضح الناس» رواه الترمذي، وعلى هذا العمل عند أئمة المسلمين كلهم. فإن الناس لو وقفوا بعرفة في اليوم العاشر خطأ أجزأهم الوقوف بالاتفاق، وكان ذلك اليوم يوم عرفة في حقهم. ولو وقفوا الثامن خطأ ففي الأجزاء نزاع. والأظهر صحة الوقوف أيضاً، وهو أحد القولين في مذهب مالك، ومذهب أحمد وغيره. قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ «إنما عرفة اليوم الذي يعرفه الناس»

إتباع الإمام في الحج كفيل بأن يقي المسلمين احتمال حدوث أي خطأ أو اختلاف سواء في الحج أو في العيد كما يقول ابن تيمية:
"ما يثبت من الحكم لا يختلف الحال فيه بين الذي يؤتم به في رؤية الهلال، مجتهداً مصيباً كان أو مخطئاً، أو مفرطاً، فإنه إذا لم يظهرالهلال ويشتره بحيث يتحرى الناس فيه. وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: في الأئمة: «يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم». فخطؤه وتفريطه عليه، لا على المسلمين الذين لم يفرطوا، ولم يخطئوا."

وذهب ابن رجب الحنبلي أبعد من هذا, فهو كالعديد من فقهاء الحنبلية, والمالكية, والشافعية توصل إلى أن يوم عيد الفطر ليس هو بالضبط اليوم الأول من شوال و يوم عرفة ليس بالضبط هو اليوم التاسع من ذي الحجة لكنه اليوم الذي يقبله و يتوافق عليه المسلمون. لذا فإن يوم عيد الأضحى ليس هو بالضرورة اليوم العاشر من ذي الحجة لكنه اليوم الذي يعتقده المسلمون أنه العاشر من ذي الحجة حتى لو ثبت بعد ذلك أنه كان اليوم الخطأ.
"قال في ((شرح المهذب)): قال أصحابنا: ليس يوم الفطر أول شوال مطلقا وإنما هو اليوم الذي يفطر فيه الناس؛ بدليل حديث: ((فطركم يوم تفطرون)) وكذلك يوم النحر، وكذلك يوم عرفة هوَ اليوم الذي يظهر للناس، أنه يوم عرفة، سواء كانَ التاسع أو العاشر وقال الشافعي في ((الأم)) عقب هذا الحديث: فبهذا نأخذ. قالَ: وإنما كلف العباد الظاهر، ولم يظهر الفطر إلا يوم أفطروا. وقال أصحاب أبي حنيفة - فيمن شهد بيوم عرفة بعرفة، على وجه لا يتمكن الناس فيه من تلافي الوقوف، على تقدير صحة شهادتهم في ذلك العام -: إن شهادتهم غير مقبولة؛ لما يؤدى إليه قبولها من إيقاع الناس في الفتنه، بتفويت حجهم. ذكره صاحب ((الكافي)) - منهم.

كما ذكر صاحب حاشية الجمل:
"وَقَدْ قَالُوا لَيْسَ يَوْمُ الْفِطْرِ أَوَّلَ شَوَّالٍ مُطْلَقًا, بَلْ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ, وَكَذَا يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ وَيَوْمُ عَرَفَةَ الَّذِي يَظْهَرُ لَهُمْ أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ سَوَاءٌ التَّاسِعُ وَالْعَاشِرُ لِخَبَرِ [الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ وَالأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ,] رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ, وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّافِعِيِّ [وَعَرَفَةُ يَوْمَ يَعْرِفُ النَّاسُ]."

و شرح الخطيب الشربيني:
"وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ تَمْتَدُّ عَلَى حِسَابِ وُقُوفِهِمْ كَمَا أَفْتَى بِذَلِكَ الْوَالِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى, فَقَدْ قَالَ الْمُتَوَلِّي: إنَّ وُقُوفَهُمْ فِي الْعَاشِرِ يَقَعُ أَدَاءً لا قَضَاءً ; لأَنَّهُ لا يَدْخُلُهُ الْقَضَاءُ أَصْلا, وَقَدْ قَالُوا: لَيْسَ يَوْمُ الْفِطْرِ أَوَّلُ شَوَّالٍ مُطْلَقًا بَلْ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ, وَكَذَا يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ, يَوْمُ عَرَفَةَ الْيَوْمُ الَّذِي يَظْهَرُ لَهُمْ أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ سَوَاءٌ التَّاسِعُ وَالْعَاشِرُ لِخَبَرِ [الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ وَالأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ] رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّافِعِيِّ [وَعَرَفَةُ يَوْمُ يَعْرِفُ النَّاسُ] . وَمُقْتَضَى كَلامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُمْ لَوْ وَقَفُوا لَيْلَةَ الْحَادِيَ عَشَرَ لا يُجْزِئُ وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ, لَكِنْ بَحَثَ السُّبْكِيُّ الإِجْزَاءَ كَالْعَاشِرِ; لأَنَّهُ مِنْ تَتِمَّتِهِ, وَهُوَ مُقْتَضَى كَلامِ الْحَاوِي الصَّغِيرِ وَفُرُوعِهِ وَإِفْتَاءِ الْوَالِدِ وَهُوَ الأَقْرَبُ,

فيجب أن يكون من الوضوح بمكان أن عيد الأضحى ليس منفصلا عن الوقوف في عرفة أو عن الحج كما ذهب بعض العلماء المعاصرون. إنهما مرتبطان ارتباطاً تاماً. فتحديد أعياد المسلمين لم يأت من فراغ و لم يكن كرمية بغير رام بل حدد العيدان على أساس اكتمال شهر رمضان و الحج, ركني العبادة في الإسلام. أما و أن الرسول ( ص ) كان قد ربط بداية الشهر الجديد بالرؤية البصرية فذلك لأنها كانت السبيل الوحيد المتوفر لهم في تلك الأيام, أما عن عدم اعتماده (ص) على أخبار رؤية هلال ذي الحجة القادمة من مكة لمدة ثمانية أعوام من الهجرة, فذلك يرجع إلى أن الكعبة كانت واقعة تحت سيطرة المشركين, و أن المكيين لم يكونوا دقيقين بما فيه الكفاية في تحديد تلك الأيام. فاتباع هديهم لم يكن ليعني لسيدنا محمد (ص) بشئ. كما أن هناك أدلة أن الرسول ( ص ) كان يرسل الأضاحي إلى مكة من المدينة.

بحديثِ عائشةَ أنَّ النبيَّ كان يَبْعَثُ بالهَدْيِ من المدينةِ فلا يَجْتَنِبُ شيئاً مما يَجْتَنِبُ منه المحْرِمُ.

آخر حجة للنبي ( ص ) كانت حجة الوداع. و أصحاب السير يخبروننا أنه ( ص ) غادر المدينة يوم السبت, لخمس أيام خلت من شهر ذي القعدة, و يتفقون على أنه (ص) وصل الى مكة يوم الأحد لأربع أيام خلت من ذي الحجة و قد أمضى في الطريق ثماني ليال.
"أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بقصده لهذه الحجة المبرورة المشهودة، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏ وفي يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة تهيأ النبي صلى الله عليه وسلم للرحيل ، فتَرَجَّل وادَّهَنَ ولبس إزاره ورداءه وقَلَّد بُدْنَه، وانطلق بعد الظهر، حتى بلغ ذا الحُلَيْفَة قبل أن يصلي العصر، فصلاها ركعتين، وبات هناك حتى أصبح‏.‏ فلما أصبح قال لأصحابه‏:‏ ‏(‏أتاني الليلة آت من ربي فقال‏:‏ صَلِّ في هذا الوادي المبارك وقل‏:‏ عمرة في حجة‏)‏‏."

"ثم دخل مكة بعد أن صلي الفجر واغتسل من صباح يوم الأحد لأربع ليال خلون من ذي الحجة سنة 01هـ ـ وقد قضي في الطريق ثماني ليال، وهي المسافة الوسطي

فإما رؤية المدينة قد تزامنت مع الرؤية في مكة, أو أن النبي ( ص ) قد عرف بطريقة ما تأريخ مكة الصحيح كما قالت السيدة عائشة ( ر ) أن النبي ( ص ) مع صحابته غادورا المدينة موافين هلال المدينة.
ثنا أحمد ابن المقدام العجلي حدثنا حماد يعني ابن زيد عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: «خرجنا موافيين هلال ذي الحجة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من شاء أن يهل بحج فليهل بحج ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل بعمرة فمنا من أهل بحج ومنا من أهل بعمرة» .

و روي كذلك أن ابن عمر كان يأتيه خبر هلال ذي الحجة و هو في المدينة, وكان يبدأ الإحرام من اليوم الأول لذي الحجة بينما كان في المدينة في بعض الأحيان يبدأ الإحرام في الثامن من ذي الحجة, و كأنه يبدوا أن هناك بعض الاتصالات بين المدينتين.
حدثنا أبو بكر قال حدثنا علي بن هاشم عن ابن أبي ليلى عن عطاء قال: قلت لابن عمر: قد رأى الهلال فأهل بمكانه هلال ذي الحجة، فلما كان في العام المقبل فقيل له: قد رأى الهلال ـ وهو في البيت ـ فنزع ثوباً كان عليه ثم أهل، فلما كان العام الثالث قيل له: قد رأى الهلال فقال: ما أنا إلا رجل من أصحابي أصنع كما يصنعون، فأقام حلالاً حتى كان يوم التروية.

إن الواقع في العالم الإسلامي أجمع أن المسلمين في السابق كانوا يذهبون في تحديد يوم عرفة و تحديد شهر ذي الحجة بالرؤية البصرية المحلية, هذه الحالة كانت في أغلبها نتيجة عدم تمكن المسلمين من معرفة يوم الوقوف على عرفة و الحج في مكة, و الشريعة لم تطلب من المسلمين إيجاد التاريخ الحقيقي للحج و ليوم عرفة, ذلك بأن الشريعة لا تطالب الإنسان بما هو فوق طاقته, و لكن من الواضح أنه كلما استطاع المسلمون غير الحجاج معرفة التاريخ الحقيقي للوقوف في عرفة فعليهم فعل ذلك وصوم ذلك اليوم كما سن النبي (ص) كما عليهم النحر في اليوم التالي من الوقوف بعرفة, و هناك احتمال كبير بأن أهمية صيام يوم عرفة و مضاعفة الثواب فيه راجع إلى أنه يوم التجمع العظيم للمسلمين في المكان المقدس و الزمان المقدس.

و من الإنصاف القول بأنه لا يوجد نص شرعي قطعي مباشر يربط عيد الأضحى عند المسلمين في كل أنحاء العالم بأعمال الحج و الوقوف في عرفة, إنما لدينا الكثيرمن النصوص غيرالمباشرة من القرآن والسنة التي تربط احتفال الناس بالعيد و السرور و البهجة باكتمال موسم الحج و أداء فريضة الحج و خاصة الوقوف في عرفة, و من الناحية الأخرى فإنه لا يوجد أي نص قرآني أو نبوي أو نص فقهي معتمد على أدلة الكتاب و السنة أو مأخوذ من الاجتهادات الفقهية في كتب السلف يوجب المخالفة المتعمدة ليوم عرفة المعلن به في مكة المكرمة.

و بالإضافة إلى أن الحج هو تذكير بالأمور الروحانية المتعددة إلا أنه فوق ذلك معلم من معالم وحدة المسلمين و هو إظهار لقوتهم و شوكتهم. و للحج أبعاد سياسية علاوة على أبعاده الروحانية والاجتماعية والاقتصادية. و هذا البعد السياسي لا يمكن تحققة إلا من خلال وحدة المسلمين في احتفالاتهم الدينية كعيد الأضحى المتعلق بأعمال الحج, و خاصة مع السهولة في معرفة يوم عرفة و يوم النحر في مكة.
و باعتبار المصلحة المرسلة فإننا نجد أن ارتباط المسلمين حول العالم بأعمال الحج في مكة أكثر نفعاً لهم على المدى البعيد من الوقوف على بعض الأخطاء غير المتعمدة أو بعض الاجتهادات الخاطئة للسلطات المسؤولة عن الحج في المملكة العربية السعودية .